نظرة عامة على الفساد و تأثره برأس المال و السلطة و تغلغله في كل مرافق حياتنا ومفاصل دولنا

%d8%a7%d9%84%d9%81%d8%b3%d8%a7%d8%afإن الفساد داء أصاب مجتمعات دول العالم الثالث حتى أنهكها و كاد يقضي عليها إن لم يكن قد أتم القضاء. و ما على المرء إلا أن يلقي نظرة خاطفة على البنية الإجتماعية لتلك البلدان و الفرق الشاسع الحاصل بين طبقتي الأغنياء و الفقراء و إضمحلال الطبقة المتوسطة. وإذا ما أخذنا بالإعتبار الخيرات الموجودة في معظم تلك البلدان وخصوصاً العربية منها ، فإن ذاك الشرخ الإجتماعي سببه الأساس الفساد و سوء التدبير .

إن القول أن للفساد أرضاً خصبة فقط في دول العالم الثالث لفيه شيئ من الإجحاف  ، فالفساد موجود في كل الدول ومن دون أي إستثناء مع فارق بسيط في النسب، و في نخره للسلطة القضائية التي تسهر على تطبيق القوانين. للأسف الشديد، فإن أهلك الفساد الجسم القضائي في الدول النامية في حين أنه ،ما زال في معظمه ، محافظ على نزاهته في الدول المتقدمة التي لا تتوارى عن محاكمة فاسديها. فكم من رئيس و كم من وزير (أقلها سابقون) و كم من رجل أعمال صدرت بحقهم أحكاماً قضائية في حين اننا لم نرى مثيلاتها في دولنا، فحاميها حراميها !!

في هذه الألفية الجديدة ، أصبح من الصعب لا بل من المستحيل، ردء الشرخ الحاصل بين طبقات المجتمع ، فالعولمة فتحت أبواب لم تكن مفتوحة و قربت مسافات كانت بالأمس القريب مسافات بعيدة من الصعب الوصول إليها. وأصبحت الثقافة الهوليوودية هي ثقافة مجتمعات العالم الثالث والتي كعادتها تأخذ من الثقافة الغربية قشورها وتترك كل ماهو جميل ومؤثر. حتى أصبحت شاشات تلفزتنا نسخة مشوهة من تلك العروض ،فيكاد المشاهد أن ينغر وينصدم  ويخال نفسه بعد مشاهدة محطاته بأنه في بلد متقدم متحضر كله أغنياء و رؤوس أموال ضخمة. وبدل أن تركز تلك الشاشات على الطبقة السائدة من متوسطي الحال أو ذوي الدخل المحدود كما كانت في التسعينات ، فإنها تركز على الأغنياء ، فالأبطال يعيشون في قصور فارهة، ويلبسون الماركات ويركبون أحدث السيارات و يتمتعون بسلطة تفوق العادة لا بل يفوقون بسلطانهم من هم في السلطة . وبالطبع هذه الثقافة جعلت المجتمعات العربية تطلب تلك الحياة وتسعى لها،. تحولت من جراء ذلك قيمة الفرد من قيمة معنوية ثقافية إلى قيمة مادية رأسمالية ، فانطبق بشكل عام  المثل القائل : “معك قرش تسوى قرش” !! لم  يعد أغلب الناس يهتمون بالقيمة الثقافية أو الأدبية أو العلمية لشخص معين و إنما أصبح اهتمامهم مادياً أو سلطوياً.

إذا ما اضفنا إلى ذلك كله الطبيعة البشرية أو الغريزة الإنسانية إذا ما صح التعبير فإنه من الصفات التي أدت إلى تفشي الفساد و اكتساحه للنسيج الإجتماعي نذكر : الغيرة ، الحسد ، حب الشهوات  و الملذات ، البعد عن النصوص الدينية بغض النظر عن الديانة ، فلا يوجد دين في العالم يبيح الفساد ولا يعاقب المختلسين وسارقي المال العام و المرتشين و الفاسدين … إلخ . إضافة إلى ذلك كله شكل إنعدام الأخلاق والمبادئ و بعد أفراد هذه المجتمعات عنهما بعداً كاملاً (إلا ما رحم ربي) الدعيمة الأساس و الأهم في تفشي هذا الداء و نخره عقول الكثيرين. 

تاريخياً، حاضراً ومستقبلاً ،يستفحل الفساد بتزاوج رأس المال و السلطة، فرأس المال تستهويه السلطة و هذه الأخيرة تعشق بلا حدود المال، و تزاوجهما مع بعض يجعل تأثيرهما بنيوياً على عامود المجتمع الفقري وأساس تطوره . في هذه الحالة ،وهي حالتنا للأسف الشديد  ، يصبح المسحوقين ينشدون الفساد لأنهم بحاجة إما لدعم سلطوي بوظيفة أو لدعم مالي لأنهم ، بتحالف السلطة و المال ، لم يعد يجدون لهم لقمة للعيش ، و  اصبحوا تحت السمع والطاعة ، ولا يفعلون شيئ سوى السمع والطاعة. وتكتمل بذلك قاعدة “من في السلطة يزدادون ثروة، و من في قائمة الأغنياء يزدادون سلطةً “.  

أين الفساد؟ إنه في كل مكان ، في البيوت و في تربية ترتكز في أن المال هو كل شيئ ، إنه في الغش، في البلديات و سرقة المال العام ، في المحسوبيات ، في الرشاوي ، عند آمر النفوس في كل طلب إخراج قيد: “إدفع أو إنتظر” ، في الإحتكار، في المركزية ، في الإنماء الغير متوازن ، في تهميش فئة لصالح فئة ، إنه في المحاكم وتحت تلك العباءات المهيبة ، في المجلس النيابي، في الوزارات وفي تحويلها إلى ملك عائلي (وزارتنا) وتوزيع الوظائف على ربعي وعشيرتي، إنه في كل مفصل من مفاصل الدولة ،،، من حاجب صغير و موظف بسيط ، إلى أعلى هرم السلطة، أولاد ال…. يعرفهم شاعر الأمة العظيم مظفر النواب ،وقال في أمثالهم قصيدة عرمرمية، إنه في كل من ينطبق عليه واحدة مما سبق وذكرنا … و ما أكثرهم ، و ما أكثرهم ، ما أكثرهم ….  

الفساد آفة يدمر نمو  المجتمعات و نهوض الدول و عظمة الأمم، ومن يقرأ التاريخ يعرف جيداً أن أمجاد الحضارات التي سطع نجمها  ما كان ليكون لولا دحر الفساد واجتثاثه ، وأن فناؤها كان سببه الفساد . أن يتفشى ذاك السم في هيكلية الدول و الأنظمة و حتى في المجتمعات فإن ذاك يستدعي علاجاً سريعاً و جلداً للذات و وقفة مع النفس نحاسب فيه ذاتنا ونصلحها لا أن نتعايش مع الواقع بأن نصبح مع الواقف إلا أن تنجلي المواقف، يكفي أن نتأمل أعظم الأبيات الشعرية في هذا الصدد للشاعر الكبير أحمد شوقي يقول فيه  :إنما الأمم الأخلاق ما بقيت.. فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا .

عمّ الفساد أوطاننا وأصبحنا نراه ونلمسه بلقمة عيشنا ورغيف خبزنا و أغلبنا يمارسه … قال جلال عامر رحمه الله : إن الفساد عم البلاد.. و خالها… و شر البلية ما يضحك !!


بقلم يعقوب الأسعد


Advertisements

Posted on 23/01/2017, in وادي خالد, يعقوب الاسعد, تجمع شباب وادي خالد الوطني and tagged , , , . Bookmark the permalink. التعليقات على نظرة عامة على الفساد و تأثره برأس المال و السلطة و تغلغله في كل مرافق حياتنا ومفاصل دولنا مغلقة.

التعليقات مغلقة.

%d مدونون معجبون بهذه: