بين “الشيزوفرينيا” العربية و الواقع التركي … إغتيال السفير الروسي و مسبباته

يعقوب الأسعد

لم يشكل شجب و إستنكار و تنديد السلطات التركية لحادثة إغتيال السفير الروسي واعتذارهم لشعب روسيا و رموزها ، من أعلى هرم السلطة التركية المتمثل بالرئيس اردوغان مروراً برئيس وزراءه، إلى وزير الداخلية ، إلى أصغر موظف حكومي فيها ، أي صدمة بالنسبة لأغلب المحللين السياسيين و المراقبين للساحة التركية و العالمية. فلا مصلحة للنظام التركي بهذه الحادثة ولا يد له فيها لا من قريب و لا حتى من بعيد ، و واهن و واهم جداً من يظن ذلك . 

لننعش الذاكرة ، ولنبدأ بلحظة الإنقلاب التركي على نظام الرئيس اردوغان (و حتى ما قبلها ،لتشجيعه لحركة الهجرة من خلال اراضيه إلى اوروبا) وما لذلك من نتائج تضرب النسيج الإجتماعي الأوروبي وتهدد بنيته الإجتماعية والأمنية على سواء .

لحظة الإنقلاب ، كانت السلطات الروسية أول من نبه الرئيس اردوغان إلى المحاولة، وكان الرئيس بوتين ، وبالرغم من الجفاء الذي حصل نتيجة قتل الطيار الروسي و الذي اتهمته أنقرة بخرق الأجواء التركية ، كان أول المهنئين لأردوغان بالسلامة عقب الإنقلاب في حين التزمت كل الدول الأوروبية الصمت إلى جانب أميركا ، لا بل تحدثت بعض التقارير بأنه، على سبيل المثال، رفضت السلطات الألمانية طلب هبوط طائرة الرئيس التركي في الأراضي الألمانية و إعطائه حق اللجوء. فضلاً عن ذلك فإن مدبر الإنقلاب ، فتح الله غولن، يعيش في أمريكا و رفضت السلطات الأميركية طلبات الحكومة التركية بتسليمه مما يدل بشكل أو بأخر ضلوع أميركا وراء الإنقلاب أو أقلها غض البصر عنه. وإذا سألنا لم تدبر أميركا الإنقلاب وتنقذه روسيا منه فالجواب سهل . روسيا ورغم العداء والجفاء فإنه من مصلحتها بقاء الرئيس اردوغان لأن البديل سيكون حتماً نظاماً تابعاً لأمريكا بنسبة مئة بالمئة ،و النظام الحالي لديه نوع من الاستقلالية ، ليس من مبدأ السيادة ، ولكن من مبدأ الوقوف على أطلال أمجاد مضت ، أمجاد الدولة العثمانية ، وهذا الوقوف على الأطلال يساعد روسيا التي تسعى إلى ضرب الأحادية الأميركية وإرجاع أمجاد الإتحاد السوفياتي . وطبعاً، أميركا من أكثر المستفيدين من الإنقلاب، لو كان كتب له النجاح فذلك سيكف أيدي تركية من العراق و أيضاً من سورية، التي يتهافت الكل عليهما لتقسيم مكاسب الدولة الاسلمية فيهما. ثم إن إعطاء تركية حصة يعني حتماً أنها ستكون من ما ستكسبه حليفتها أمريكا . لا ننسى أيضاً الملف الكردي ، فالأكراد في سورية يتمتعون بدعم أميركا لقوات سورية الديمقراطية ، التي أعلنت الفيدرالية و راحت تسعى لربط الكنتونات الكردية في الشمال السوري الأمر الذي رفضته تركية و اطلقت فيما بعد عملية درع الفرات لضرب الحلم الكردي بغض طرف من الجانب الروسي. أضف إلى ذلك كله ، أن النظام التركي يعاني من حزب العمال الكردي و يتهمه بالإرهاب و الذي يعتبر إمتداد لحزب الإتحاد الديمقراطي السوري أكبر الأحزاب الكردية السورية و المحرك الأساس لقوات سورية الديمقراطية. 

ميرت ألتنيتاس، عنصر أمن تركي ، لم يترقى لرتبة عريف حتى ، ليس ضابطاً أمنياً ولا شيئ من هذا القبيل ، وكل ما قيل أو سيقال عنه في وسائل التواصل العربي دعاية لا تستند إلى أي شيئ من الصحة. الصحيح أن أولاد عمومة  وأخوات  “ميرت” يتبعون الداعية فتح الله غولن، والصحيح أن أكثر المستفيدين لحادثة الإغتيال تلك هو فتح الله غولن، وربما بمباركة اميركية ، لضرب التحالفات التركية الروسية و التي اسفرت عن تحرير حلب لما للسلطات التركية من مونة على مختلف الفصائل السورية المحاربة هناك من ضمنها على سبيل المثال جيش نور الدين زنكي . غولن يستفيد بأن يضرب مركز القوة التي تستند إليه تركية حالياً وهو تحالفها مع روسيا ، في ظل العلاقات المتوترة مع أوروبا ومع أميركا، و يرجع تركية و نظامها إلى المربع الزمني الذي حدث فيه الإنقلاب وهو المربع التي وجدت تركية نفسها فيه على عداء مع الدول الكبرى و مع أغلب دول الجوار.  و الأكيد أن الإغتيال، على عكس ما قال “ميرت”، إنتقاماً على حملة الاعتقالات الواسعة التي طالت كل مناصري غولن في كل مرافق الدولة ، والتي لم يسلم منها حتى الرياضيون  ، والذين بلغوا الألاف، و عملية حرفها بإتجاه حلب ما هو إلا محاولة تمويه، لا أكثر ولا أقل .  أما أميركا ، فمكسبها ضرب التحالف التركي الروسي أيضاً و معاقبة تركية على تدخلها في درع الفرات وعلى تفاهمها حول حلب، الحدث الأمني الأبرز في العام ٢٠١٦ و الذي سيغير حتماً مجرى الصراع السوري و سينهي الحرب في أقرب وقت ممكن. أمراً  لم تكن تريده أميركا و ستسعى لنسفه هي و حلفائها، فإن كانت تفاهمت تركية مع روسيا و مع النظام السوري حول حلب و هي ، أي تركية ، المحرك الأساس لأغلب الفصائل السورية التي تحارب الدولة ، ومن على اراضيها يدخل المجاهدين ، ومن حدودها يجري تزويدهم بالعتاد و السلاح بغطاء طائراتها ودباباتها في ما مضى ، فما الذي يمنعها من تقديم تنازل أخر في ادلب و في جسر الشغور ،مقابل مكسبٍ سياسي أو إقتصادي داخلي أو إقليمي ، و إذا ما تحقق ذلك فما الذي يبقى لاسترداده من سورية؟ الرقة مثلاً ؟

إنه لمن المستغرب ، أن يعيش العالم العربي هذا الإنفصام تكبيراً  و تهليلاً لهذا الإغتيال .فبينما، تركية و كل صفوتها من أعلى الهرم إلى كل مواطن يخاف على نفسه و على لقمة عيشه و على دولته يستنكرون الهجوم على سفير دولة أجنبية عظمى في عقر دارهم ويتهمون ايادٍ خارجية بالضلوع فيها ويخافون حرباً عالمية جديدة ، خصوصاً وأن حرباً عالمية شبيهة كان سببها إغتيال مماثل، يهلل الشعب العربي لها  و يدعوا الأتراك و نظامهم الحاكم بطول العمر!!!  لتنكشف لنا “الشيزوفرنيا” في مجتمعاتنا، وما أصعبه من مرض يفتك بصاحبه  … اللهم عافنا منها و أبعدها عنا ،فلا نريد أن نكون من الذين تنطبق عليهم  الحكمة القائلة  : كناطح صخرة يوماً ليكسرها فلم يضرها و أوهى قرنه الوعل!!!


بقلم يعقوب الأسعد

Advertisements

Posted on 20/12/2016, in وادي خالد, يعقوب الاسعد, تجمع شباب وادي خالد الوطني and tagged , , , . Bookmark the permalink. التعليقات على بين “الشيزوفرينيا” العربية و الواقع التركي … إغتيال السفير الروسي و مسبباته مغلقة.

التعليقات مغلقة.

%d مدونون معجبون بهذه: