سورية: بين أمريكا وروسيا …. عودة التعددية

📌مرت على البشرية العديد من الامبراطوريات ، فمن الامبراطوريات القديمة كالبيزنطية والرومانية والإغريقية والهندية والفارسية والعربية والعثمانية والبرتغالية والإسبانية والفرنسية والبريطانية والألمانية والروسية … وصولاً إلى الإمبراطورية الأميركية.
ما ميز تلك الامبراطوريات كلها أنها حكمت بقوة جيوشها وعديد مقاتليها وأساطيلها وأنواع أسلحتها وثقافتها وصولاً إلى أخر الأسلحة السلاح النووي الذي غير بموجبه صراع الامبراطوريات من الحرب المباشرة إلى حرب بالوكالة أو حرب باردة كما جرى تسميتها بالألفية العشرين.

obama-putin-syria
كان مجد تلك الامبراطوريات الحديثة في العالم الحديث(القارة الجديدة أمريكا) ، فمجد بريطانية كان في كندا وأستراليا ، ومجد البرتغال وإسبانيا في أمريكا الجنوبية وفي جزر الهادئ. لم تدم تلك الأمجاد طويلاً، وبدأت تلك الامبراطوريات بخسارة مستعمراتها تباعاً، وكانت الولايات المتحدة ،وإن كانت وقتها تتبع سياسة العزلة ،تدعم إنفصال المستعمرات لتضعف الامبراطوريات القديمة والعريقة.
في الحرب العالمية الأولى ، دخلت الولايات المتحدة الحرب بعد ثلاث سنوات من بدايتها، وفي الحرب العالمية الثانية بعد سنتين منها. كانت تترقب سير المعارك وتدخل عندما تنهك الجيوش وعندما تعرف لمن الغلبة. بعد الحرب الثانية خرجت أمريكا من عزلتها و دخلت عالم الامبراطوريات فأخذت تفتش عن مواطئ قدم. فصارت تتوسع خارج حدودها فوصلت هاواي. وأخذت تنافس ما تبقى من الإمبراطورية البريطانية حتى ازاحتها. فتحولت بريطانية من إمبراطورية منافسة إلى شريك أميركي تجمعه ثقافة اللغة.
لم يتبقى لأمريكا من منافس بعد خروج فرنسا منهكة من الحرب العالمية الثانية وبعد إقصاء بريطانية وتدمير ألمانية النازية إلا روسيا.
احتدمت الحرب الباردة بين الطرفين حتى العام ١٩٩٠، وكانت أفغانستان هي الشعرة التي قصمت ظهر البعير السوفياتي، وقتها إستسلم غورباتشوف ومن بعده يلتسن للأحادية الأميركية ، وسقطت الشيوعية أمام الرأسمالية الأميركية وتغير وجه الأرض من قوتان تحكمان بتوازن إلى قوة واحدة منفردة تحكم وفق مصالحها وأهوائها.

في كل حروب العالم الثالث ، كانت أمريكا تقف بمعسكر و السوفيات يقفون بالمعسكر الآخر. انشأت أمريكا حلف الناتو فأنشأ السوفيات حلف فرصوفيا، وعندما وقفت أمريكا بجانب إسرائيل في حروبها وقف السوفيات إلى جانب العرب.
كانت حركات التحرر في العالم الثالث كلها مدعومة من السوفيات لأنها كلها أو أغلبها بنت فكرها على الإشتراكية أو الشيوعية، وإن لم تكن كذلك فإنها كانت على عداء مع أمريكا بحكم دعم الأخيرة لقوى الإستعمار.
ظلت هذه المعادلة ، أي الأحادية ، قائمة منذ إنهيار الإتحاد السوفياتي في العام ١٩٩٠ حتى العام الماضي ٢٠١٥. وقفت فيها روسيا تتفرج على حلفائها ينهارون الواحد تلو الأخر. وقفت تتفرج على حصار العراق وعلى ضربه في المرة الأولى ، وضربه وإحتلاله في العام ٢٠٠٣. وقفت تتفرج على حصار كوبا ، وعلى إيران بعد الشاه ، وعلى كولومبيا وعلى السودان وعلى فلسطين في إتفاق أوسلو و …. وعلى ليبيا.

ما-بين-أمريكا-وروسيا-أخطر-من-الحرب-الباردة-إنه-العد-العكسي-للتصادم-العسكري-661x328
كانت سياسة روسية حماية عقر دارها ولم يكن في حسابها أبداً أن تدق أمريكا ابوابها وتصل إلى حديقتها الخلفية ، أوكرانيا . هنا ، ربما شعر الروس أن نهاية روسيا الإتحادية قريبة وأن أحلام أمريكا ستقرع أبواب الإتحاد وتمزقه كما فعلت بسلفه السوفياتي. عارضت روسيا أن تنضم أوكرانيا إلى الإتحاد الأوروبي أو إلى الناتو. فبعد إنضمام كل من جمهورية التشيك،و المجر و بولندا في العام ١٩٩٩، و بلغاريا، إستونيا،لاتفيا،ليتوانيا ،رومانيا، سلوفاكيا، سلوفينيا في العام ٢٠٠٤ وألبانيا وكرواتيا في العام ٢٠٠٩ إلى الناتو  كان من الصعب على الروس أن يروهم على حدودهم القريبة في أوكرانيا ، خصوصاً أن روسيا بوتين ليست روسيا يلتسن السكير. بالاضافة أن لروسيا قواعد مهمة في القرم الأوكراني، فما كان منها إلى أن ضمت القرم إلى اتحادها، وارتأت أن تقسم أوكرانيا غرباً وشرقاً أقلها فدرالياً لأن الشرق الأوكراني كله ناطق بالروسية.

المرصد-السوري-الإعلان-عن-فيدرالية-روج-آفا-وشمال-سوريا-بريف-القامشلي
إستفاق الدب الروسي إلى ما يحيك له العم سام، فشعر العالم من جديد أن الأحادية إلى زوال ولكن لم يكن كل ذلك كافياً. فأمريكا دقت أبواب الشرق الأوسط وآخر معاقل الروس على المياه الدافئة : سورية.
لم تستطع روسية أن توقف مد الفوضى الخلاقة من أن يصل سورية، ولكنها لم تعيد أخطاء ليبيا. وإن كانت ليبيا بلد بترولي فسورية هي موقع وعقدة التجارة البترولية. كان الأمريكان، ومن تجاربهم ، يخافون الدخول بمواجهة مباشرة كما حصل في فييتنام أو العراق . أما الجماعات المسلحة فضبطوا ايقاعها، ممنوع التوسع نحو كردستان العراق ، وممنوع أيضاً شمال سورية وممنوع الإلتفاف نحو الأردن أو الكويت . من هنا كان تدخل أمريكا والبشمركة لإنقاذ عين العرب كوباني. المشروع واضح، تفتيت المشرق لدول عرقية ومذهبية: سني ، شيعي ، علوي ، درزي ، كردي ، تركماني ، سيرياني … ربما يسأل البعض ماذا عن إعلان الفدرالية في سورية وماذا عن الإنسحاب. أولاً الفدرالية والأكراد مدعومون من أمريكا ، وكانت الطائرات الأميركية هي من تقصف داعش في كوباني عين العرب وبالقرب من كركوك.إن إستعجال مسعود البرزاني لزيارة روسية في الشهر المقبل معللاً الزيارة بشراء السلاح ماهو إلا محاولة لشراء الروس إلى جانب إعلان الفدرالية في سورية والإستفتاء في كردستان العراق . ثم لا ننسى الأهم من كل ذلك وهو أن العديد والسواد الاعظم من الأكراد هم من الوطنيين الذين يسعون لنيل حقوقهم التي نراها ويرونها كحقوق مشروعة ، ضمن سورية الموحدة الديمقراطية والقوية. لا أعتقد بأن بوتين بالسذاجة التي يترك حليفاً كالأسد من أجل مسعود الذي جاء على متن الدبابات الأميركية. أما عن الإنسحاب فربما لدعم مجهود المصالحات وعملية الهدنة والحل السياسي. فتصريح بوتين بأن الروس جاهزون للتدخل خلال ساعات إذا دعت الحاجة كفيل بأن يضع الإنسحاب كما قالت مستشارة الرئيس الأسد بثينة شعبان ، في خانة التنسيق الكامل مع دمشق.

Syrian flagتخوف أمريكا شجع الروس، فتدخلوا في سورية وبتنسيق مباشر مع دمشق. إستشاريين، طائرات حديثة ، بوارج في المتوسط وأخرى تقصف من بحر قزوين أهدافاً محددة ودقيقة في سورية ، منظومة أس ٤٠٠ المضادة للطائرات الأحدث في العالم، إستعراض عضلات . وقف العالم يتفرج، الجيش التركي كبل وطائراته التزمت قواعدها ، إسرائيل كذلك ، أمريكا بهتت، أوروبا بين الصدمة والهناء ، صدمة التدخل وهناء منع اللاجئين أو الإرهابيين من وصول القارة العجوز. اذاً، عادت روسيا وعاد تعدد القطبين. ساهمت تلك العودة بحماية سورية ، فاستعادت دمشق شمال اللاذقية ، وجنوب حلب وغربها وشرقها. واستعادت أيضاً شرق حمص وارياف درعا، واستعادت معظم ريف دمشق وبدأت المصالحات برعاية روسية. وفي اللحظة التي نكتب فيها هذا المقال يتقدم الجيش السوري بغطاء روسي نحو تدمر ويستعيد المثلث الواقع في الجهة الجنوبية الغربية من المدينة.
هذا التدخل ، ساهم بإتفاق وقف إطلاق النار وبإنطلاق المفاوضات في جنيف، وساهم أيضاً بإيقاف نبرة وزير الخارجية السعودي الداعي إلى تنحي الرئيس الأسد ومن يرددها مثله من وفد الرياض . وساهم أيضاً بوقف التدخل التركي ولجمه بمنظومة الصواريخ الروسية. والأهم أنه ساهم بوقف التدخل المباشر للقوى الإقليمية في الحرب السورية، أو أقلها من الجانب الآخر!
إذاً ، أفغانستان كانت سبب سقوط السوفيات ، وسورية سبب رجوعهم من جديد إلى الساحة العالمية، فهل نشهد تغييراً قريباً تجاه القضايا العربية وأولها قضية فلسطين ؟ وهل يستكين الشرق الأوسط ويهدأ وتهدأ معه مشاريع تقسيمه وتفتيته ؟ وهل نشهد في القريب العاجل إحياءً لحلف فرصوفيا تكون بذرته ، روسيا و سورية و كوبا وفنزويلا وإيران والجزائر  …  و دول البريكس؟ هل أفاق الدب الروسي من سباته الشتوي الذي دام خمسة وعشرون عاماً أم أنها سكرات الموت ؟


بقلم يعقوب الأسعد

الأبحاث و المقالات المنشورة لا تعبر عن رأي الموقع بالضرورة ، بل تعبر عن رأي أصحابها

Advertisements

Posted on 23/03/2016, in وادي خالد, يعقوب الاسعد, تجمع شباب وادي خالد الوطني and tagged , , , , , , , , , , , , , , , . Bookmark the permalink. التعليقات على سورية: بين أمريكا وروسيا …. عودة التعددية مغلقة.

التعليقات مغلقة.

%d مدونون معجبون بهذه: